ابن كثير

102

البداية والنهاية

وستمائة ببالس ( 1 ) ، وسمع من أصحاب ابن طبرزد ، وكان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن السمت ، مقصدا لكل أحد كثير ، الوقار عليه سيما العبادة والخير ، وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان ، فحكى عن كلام شيخ الاسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه ، وأنه قال لترجمانه قل للقان : أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟ وأبوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الاسلام ، بل عاهدوا قومنا ، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت . قال : وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب ، قام ابن تيمية فيها كلها لله ، وقال الحق ولم يخش إلا الله عز وجل . قال وقرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا تأكل ؟ فقال : كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس ، قال : ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه " اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد ، وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الاسلام وأهله فأخذ له وزلزله ودمره وأقطع دبره " قال : وقازان يؤمن على دعائه ، ويرفع يديه . قال : فجعلنا نجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله . قال : فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وغيره : كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك ، والله لا نصحبك من هنا ، فقال : وأنا والله لا أصحبكم . قال : فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه ، فتسامعت به والخواقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه ، وهو سائر إلى دمشق ، وينظرون إليه ، قال والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه ، وكنت أنا من جملة من كان معه ، وأما أولئك الذي أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعه من التتر فشلحوهم عن آخرهم ، هذا كلام أو نحوه ، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره ، وقد تقدم ذلك . توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية المعروفة بهم غربي الصالحية والناصرية والعادلية ، وصلي عليه بها ودفن بها وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير ، وكان من جملة الجمع الشيخ تقي بن تيمية ، لأنه كان يحبه كثيرا ، ولم يكن للشيخ محمد مرتب على الدولة ولا غيرهم ، ولا لزاويته مرتب ولا وقف ، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل ، وكان يزار ، وكان لديه علم وفضائل جمة ، وكان فهمه صحيحا ، وكانت له معرفة تامة ، وكان حسن العقيدة وطويته صحيحة محبا للحديث وآثار السلف ، كثير التلاوة والجمعية على الله عز وجل ، وقد صنف جزءا فيه أخبار جيدة ، رحمه الله وبل ثراه بوابل الرحمة آمين .

--> ( 1 ) بالس بلدة بالشام بين حلب والرقة ( معجم البلدان ) .